عبد الوهاب الشعراني
224
البحر المورود في المواثيق والعهود
وهذا العهد يقع في خيانته كثير من الفقراء الذين لم يسلكوا الطريق ولم يفطموا على يد شيخ فيصطادهم إبليس أواخر عمرهم ويموتوا على محبة الدنيا كما شاهدنا ذلك في بعض المنقطعين في الكهوف والزوايا المهجورة وكان آخر أمرهم الخيول المسومة والملابس الفاخرة والأطعمة المنوعة وصاروا منهمكين على الدنيا أعظم من أبنائها ، وقد قلت مرة لشخص من المنهمكين على الدنيا خفف عنك هذا الانهماك العظيم ، فقال قل ذلك للشيخ الفلاني وأشار إلى شيخ معظم في البلد ، فلا حول ولا قوة ، الا باللّه العلي العظيم . واعلم يا اخى أنك لو تفكرت في قوله صلى اللّه عليه وسلم « ازهد في الدنيا يحبك اللّه » لعلمت يقينا مرتبتك في الزهد في الدنيا وعلمت كون الحق تعالى يحبك أولا يحبك لأنه صلى اللّه عليه وسلم علق محبة اللّه على الزهد في الدنيا وكذلك لو تأملت في قوله صلى اللّه عليه وسلم « إن اللّه عز وجل منذ خلق الدنيا لم ينظر إليها » عرفت ان الفقير المحب في الدنيا أولى لعدم نظر الحق تعالى إليه ما دام يرجح الذهب على الزبل لا سيما إن تظاهر بأحوال الصالحين ومراسمهم الظاهرة وجلس في زاوية يرصد الدنيا كل مرصد بالكشف والنصب والكذب على اللّه تعالى بنفسه أو بفعل ذلك على يد النقيب . وحكى أنه لما دنت وفاة سيدي داود الأعزب رضى اللّه عنه أراد النقباء والفقراء أن يحملوه إلى قرافة مصر ليموت بها فأخبروه بذلك فنظر إليهم مغضبا وقال تريدون أن تجعلونى كالقرد تجبون على الدنيا وطردهم من البلد إلى وقتنا هذا .